ابن تيمية
89
مجموعة الرسائل والمسائل
ولهذا كان بعض السلف يقرؤون ( ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) وذكروا أنها كذلك في بعض المصاحف ، ولهذا قال في سياق الكلام ( وبالوالدين إحسانا ) الآية وساق أمره ووصاياه إلى أن قال ( ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلهاً فتلقى في جهنم ملوماً مدحورا ) فختم الكلام بمثل ما فتحه به من أمره بالتوحيد ونهيه عن الشرك ليس هو إخباراً أنه ما عبد أحد إلا الله وإن الله قدر ذلك وكونه ، وكيف وقد قال ( ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ) ؟ وعندهم ليس في الوجود شيء يجعل إلهاً آخر فأي شيء عبد فهو نفس الإله ليس آخر غيره . ومثل معاداة إبراهيم والمؤمنين لله على زعمهم حيث عادى العابدين والمعبودين وما عبد غير الله ، وما عبد الله غير الله ، فهو عين كل عابد وعين كل معبود وقوله تعالى ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) وعلى زعمهم ما لله عدو أصلاً ، وأنه ما ثم غير ولا سوى بحيث يتصور أن يكون عدو نفسه أو عدو الذوات التي لا يظهر إلا بها . السادس أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم كما صرح به حيث قال : إن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية . وقال أيضاً صاحب الفصوص ( وبشر المخبتين ) الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلهاً ولم يقولوا طبيعة ( وقد أضلوا كثيرا ) أي حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ( ولا تزد الظالمين ) لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب فهم أول الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق ( إلا ضلالاً ) أي إلا حيرة . وفي المحمدي زدني فيك تحيراً ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) له فالمحير له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا تبرح منه ، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه ، صاحب خيال إليه غايته ، فله " من " و " إلى " وما بينهما ، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه " من " ولا غاية فتحكم عليه " إلى " فله الوجود إلا ثم وهو المؤتى جوامع الكلم " .